الحكيم الترمذي

95

كيفية السلوك إلى رب العالمين

قبلها منك ؟ قال : أربع سنين كنت أنوي كل سنة أن أحج ، وعلم من نيتي ، وحججت من عامي هذا وأنا خائف أن لا يتقبّل منى ، فيؤمئذ علمت أن النية أفضل من العمل . قال أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - : وجدنا من طريق الاعتبار عندما مثلنا بين النية والعمل أن العمل منقطع ، والنية دائمة . وتصديقه في حديث ثابت عن أنس : « العمل علانية والنية سرّ » « 1 » . وتصديقه في حديث عطاء : « أعمال السر مضاعفة « 2 » ، والعمل سعي الأركان إلى اللّه - تعالى - والنية سعي القلوب إلى اللّه ، والقلب ملك ، والأركان جنوده ، ولا يستوي سعي الملك وسعي جنوده ، والعمل يوضع في الخزائن والنية عنده » لأنه الذكر الخفي ، والعمل موقوف علي نهايته والنية لا تحصي نهايتها ، والعمل بتحقيق الإيمان ، والنية فرع الإيمان ، بمنزلة الشجرة فيه منصوبة ، فبظهور ورقها هي شجرة وليس للورق نمو ، وإنما هي زينة الشجرة ، والثمر من الفرع ، والفرع سقياه من الأصل . وذلك قول اللّه - تبارك وتعالى - في كتابه : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ [ إبراهيم : 24 ] فالأصل هو الإيمان الذي في القلب ، والنية هي فرعها الذي في السماء والعمل هو للأكل . قال تعالى : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [ إبراهيم : 25 ] والعمل موكّل به الحفظة ، والنية لم تطلع عليها الحفظة ، والعمل في ديوان الملائكة ، والنية في ديوان اللّه . ألا ترى إلى قوله - تبارك وتعالى - : « أنتم حفظة على عبدي ، وأنا رقيب على ما في نفسه » « 3 » ، والعمل الواحد لا يعدو نفس ذلك العمل ولا ينتظم غيره ، والنية تنتظم الأعمال ، والعمل ثوابه من الجنة ، والنية ثوابها من منازل القربة ، والعمل أجناس لا يشبه بعضها بعضا ولا يقدر العبد أن العمل عملا تنتظم به جميع الأعمال ، والنية تشهد الأشياء ، وذلك إذا نوى بلوغ مرضاته ، فمرضاته جميع الطاعات فهو في ذلك الوقت

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) أورده المناوي في فيض القدير ، حرف الهمزة [ 2 / 45 ] . ( 3 ) رواه أبو الشيخ في العظمة ، حديث رقم ( 519 ) [ 3 / 999 ] وابن المبارك في الزهد ، باب ذم الرياء . . ، حديث رقم ( 452 ) [ 1 / 153 ] .